الشيخ السبحاني

41

في ظلال التوحيد

استعان بالله - في الحقيقة - لأنه تعالى هو الذي منح هذه العوامل القدرة على إنماء ما أودع في بطن الأرض من بذر ومن ثم إنباته والوصول به إلى حد الكمال . 2 - وإذا استعان بإنسان أو عامل طبيعي مع الاعتقاد بأنه مستقل في وجوده ، أو في فعله عن الله ، فلا شك أن ذلك الاعتقاد يصير شركا ، والاستعانة به عبادة . فإذا استعان زارع بالعوامل المذكورة وهو يعتقد بأنها مستقلة في تأثيرها أو أنها مستقلة في وجودها ومادتها كما في فعلها وقدرتها ، فالاعتقاد شرك ، والطلب عبادة . وبذلك يظهر أن الاستعانة المنحصرة في الله المنصوص عليها في قوله تعالى { وإياك نستعين } هي الاستعانة بالمعونة المستقلة النابعة من ذات المستعان به ، غير المتوقفة على شئ ، فهذا هو المنحصر في الله تعالى ، وأما الاستعانة بالإنسان الذي لا يقوم بشئ إلا بحول الله وقوته وإذنه ومشيئته ، فهي غير منحصرة بالله سبحانه ، بل إن الحياة قائمة على هذا الأساس ، فإن الحياة البشرية مليئة بالاستعانة بالأسباب التي تؤثر وتعمل بإذن الله تعالى . وعلى ذلك لا مانع من حصر الاستعانة في الله سبحانه بمعنى ، وتجويزها بغيره بمعنى آخر وهو ما له نظر في الكتاب العزيز . ولإيقاف القارئ على هذه الحقيقة نلفت نظره إلى آيات تحصر جملة من الأفعال الكونية في الله تارة ، مع أنها تنسب نفس الأفعال في آيات أخرى إلى غير الله أيضا ، وما هذا إلا لعدم التنافي بين النسبتين لاختلاف نوعيتهما فهي محصورة في الله سبحانه مع قيد الاستقلال ، ومع ذلك تنسب إلى غير الله مع قيد التبعية والعرضية . الآيات التي تنسب الظواهر الكونية إلى الله وإلى غيره : 1 - يقول سبحانه : { وإذا مرضت فهو يشفين } ( 1 ) . بينما يقول سبحانه في

--> ( 1 ) الشعراء : 80 .